العلامة المجلسي

68

بحار الأنوار

قال : إن معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب ، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع ، واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير ، فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب . فان قال قائل : انه يأتي من الصحاري والبراري ، قيل له : كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد ؟ وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه ؟ مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج ( 1 ) من قرب ، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل موضع من الجو ، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها . فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو ، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له . خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع ، بل هو إلى ذوات الأربع أقرب : وذلك أنه ذو أذنين ناشزتين وأسنان ووبر ، وهو يلد ولادا ويرضع ويبول ويمشي إذا مشى على أربع ( 2 ) وكل هذا خلاف صفة الطير ، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل ويتقوت مما يسري في الجو من الفراش ، وما أشبهه ، وقد قال القائلون : إنه لا طعم للخفاش وإن غذاءه من النسيم وحده ، وذلك يفسد ويبطل من جهتين : إحداهما خروج ما يخرج منه من الثفل والبول ، فان هذا لا يكون من غير طعم ، والأخرى أنه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى ، وليس في الخلقة شئ لا معنى له ، وأما المآرب فيه فمعروفة حتى أن زبله يدخل في

--> ( 1 ) أي تتساقط عليه وتتابع . ( 2 ) وقال الدميري : يحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الانسان .